لم تعد ندرة المياه في تونس مجرد أزمة مرتبطة بتراجع الأمطار أو بانخفاض مخزون السدود، بل تحولت إلى تحدٍّ هيكلي تتقاطع تداعياته مع الفلاحة والنمو الاقتصادي والتشغيل والأمن الغذائي.
وأكد تقرير البنك الدولي «تحدي المياه في تونس: من الندرة إلى القدرة على التكيف» أن مستقبل الاقتصاد التونسي يرتبط بدرجة كبيرة بقدرة البلاد على تحسين إدارة مواردها المائية والتكيف مع تزايد ندرتها.
ويرى الخبير الدولي لدى عدد من المنظمات الدولية في السياسات المائية، عبد الرحمان الوصلي، أن التقرير لا يقدم تغييراً جذرياً في توصيف الوضع المائي في تونس، بقدر ما يضع المؤشرات الحالية في إطار أكثر وضوحاً، ويحذر من تفاقمها خلال العقود المقبلة.
ثماني سنوات من الجفاف
وقال الوصلي إن تونس عاشت خلال العقد الأخير ثماني سنوات من الجفاف، من بينها خمس سنوات متتالية، وهو ما جعل أزمة المياه تتجاوز الطابع الظرفي لتصبح تحدياً هيكلياً.
ومن أبرز المؤشرات التي تعكس حجم الضغط على الموارد المائية، وفق المعطيات التي يستند إليها التقرير، تراجع نصيب الفرد من المياه العذبة المتجددة إلى حوالي 380 متراً مكعباً سنوياً، وهو مستوى يقل عن عتبة الشح المائي المطلق المقدرة دولياً بنحو 500 متر مكعب للفرد سنوياً.
ولا يتوقف الأمر عند الوضع الحالي حيث حذر الوصلي من أن نصيب الفرد قد يتراجع إلى ما بين 120 و210 أمتار مكعبة سنوياً بحلول سنة 2050 إذا لم تُتخذ إجراءات هيكلية للتعامل مع ندرة الموارد وتغير المناخ.
وبذلك تضع هذه الأرقام تونس ضمن الدول التي تواجه مستويات مرتفعة من الإجهاد المائي، في وقت تشير فيه التقديرات التي أوردها الخبير إلى إمكانية انتقال البلاد إلى مراتب أكثر تقدماً ضمن قائمة الدول الأكثر تأثراً بالشح المائي خلال العقود المقبلة.
المياه الجوفية تحت ضغط متزايد
ولا تقتصر مظاهر الأزمة على الموارد السطحية والسدود فالمياه الجوفية تواجه بدورها ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع معدلات الاستغلال.
وأشار الوصلي في الخصوص إلى أن استغلال المياه الجوفية بلغ على المستوى الوطني نحو 130% من حجم الموارد المتجددة، بينما يصل الاستغلال في بعض المناطق، على غرار القيروان ونابل، إلى نحو ضعف الموارد المتاحة للتجدد.
ويعكس ذلك فجوة متنامية بين كمية المياه التي يتم ضخها وحجم المياه التي تستطيع الطبيعة تجديدها، بما يطرح تحدياً إضافياً أمام استدامة الموارد المائية، وخاصة في المناطق التي تعتمد بشكل كبير على المياه الجوفية للري والاستخدامات المختلفة.
السدود.. تحسن نسبي لا يلغي الأزمة
أما على مستوى السدود، فقد بلغت الوضعية مستويات شديدة الصعوبة خلال سنوات الجفاف الأخيرة حيث يشير الخبير إلى أن نسبة التعبئة بلغت حوالي 19% في ديسمبر 2024، قبل أن تتحسن مع الأمطار اللاحقة لتصل إلى نحو 26% خلال ربيع 2026.
ورغم هذا التحسن، فإن مستويات التخزين بقيت تعكس هشاشة الوضع المائي، إذ لا تمثل سوى نحو 60 إلى 70% من معدلات التعبئة المرجعية، وفق المعطيات التي أوردها الوصلي.
وبالتالي، فإن تحسن مخزون السدود بعد موسم ممطر لا يعني انتهاء أزمة المياه، بقدر ما يوفر هامشاً ظرفياً للتخفيف من حدتها. أما التحدي الأساسي فيبقى مرتبطاً بتوازن الموارد والطلب على المدى الطويل.
الفلاحة.. القطاع الأكثر تعرضاً للضغط
تتجلى أهمية المياه بالنسبة للاقتصاد التونسي بصورة خاصة في القطاع الفلاحي، الذي يستحوذ على نحو 75 إلى 80% من إجمالي المياه المستهلكة.
وفي الخصوص، أفاد الوصلي بأن المساحات المروية لا تمثل سوى حوالي 10% من المساحة الفلاحية، لكنها تساهم بما يتراوح بين 35 و40% من القيمة المضافة الفلاحية.
وهذا يعني أن المياه لا ترتبط فقط بحجم الإنتاج الزراعي، وإنما أيضاً بجزء مهم من القيمة الاقتصادية التي ينتجها القطاع.
كما يوفر القطاع الفلاحي حوالي 14% من اليد العاملة الوطنية، وترتفع هذه النسبة في بعض المناطق الريفية إلى نحو 50%، ما يجعل التراجع في النشاط الفلاحي مرتبطاً مباشرة بمداخيل الأسر وبالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في المناطق الداخلية والريفية.
ويرى الوصلي أن سنوات الجفاف الأخيرة انعكست بالفعل على الإنتاج الفلاحي، وبالتالي على الناتج المحلي الإجمالي، مؤكداً أن استمرار ندرة المياه ستكون له تداعيات أوسع على الاقتصاد الوطني.
البنك الدولي: هامش محدود لزيادة الموارد
ومن أبرز الرسائل التي يوجهها تقرير البنك الدولي أن تونس وصلت إلى مرحلة متقدمة جداً في تعبئة مواردها المائية التقليدية.
وأشار الوصلي إلى أن تونس عبأت أو طورت حوالي 92% من الموارد المائية المتاحة، ما يعني أن هامش التوسع في توفير موارد جديدة أصبح محدوداً.
وهنا يبرز تحول أساسي في طريقة التعامل مع الأزمة فبعد عقود ركزت فيها السياسات المائية بدرجة كبيرة على توفير المزيد من المياه، أصبح التحدي اليوم يتمثل بدرجة أكبر في إدارة الطلب وتحسين كفاءة استعمال الموارد المتوفرة.
ويضع البنك الدولي هذا التحول في صلب مقاربته لمستقبل قطاع المياه في تونس.
ثلاثة محاور لإعادة هيكلة قطاع المياه
ويرى الوصلي أن توصيات البنك الدولي تتركز أساساً حول ثلاثة محاور مترابطة، في إطار استراتيجية المياه في أفق 2050.
ويرتبط المحور الأول بتطوير الإطار الإداري والمؤسساتي للقطاع، وفي مقدمته تحديث وتفعيل مجلة المياه، إلى جانب تعزيز الرقابة على استغلال المياه الجوفية.
كما يبرز التقرير أهمية تطوير استعمال المياه المعالجة، خاصة أن تونس تنتج حوالي 300 مليون متر مكعب من المياه المستعملة سنوياً، في حين لا يقع استغلال سوى حوالي 10% منها، وفق المعطيات التي أوردها الخبير.
وتُظهر هذه الأرقام وجود مورد مائي إضافي يمكن أن يساهم في تخفيف الضغط عن الموارد التقليدية، خصوصاً إذا تم توسيع مجالات إعادة استخدام المياه المعالجة وفق المعايير المطلوبة.
أما المحور الثاني، فيتعلق بالاستثمار وتمويل قطاع المياه، إلى جانب مراجعة طريقة تسعير استعمال الموارد المائية.
وتابع الوصلي أن البنك الدولي يطرح مراجعة تسعيرة المياه بالنسبة إلى مياه الشرب والقطاع الفلاحي والمياه المعلبة، مع ضرورة مراعاة القدرة الشرائية للفئات الهشة.
وتندرج هذه المقاربة ضمن مسعى أوسع لتحسين الاستدامة المالية للقطاع وتوفير الموارد اللازمة لصيانة الشبكات وتطوير البنية التحتية، دون تحميل الفئات الأكثر هشاشة أعباء غير متناسبة.
أما المحور الثالث، فيتعلق بتحسين الأداء التشغيلي للمنظومة المائية، سواء في القطاع الفلاحي أو في شبكات مياه الشرب.
ويشمل ذلك الحد من الهدر والتسربات، وتحسين نجاعة الري، والاستفادة من العدادات الذكية والرقمنة لمتابعة الاستهلاك والتدخل بصورة أسرع عند تسجيل فقدان للمياه.
ويكتسي هذا الجانب أهمية خاصة في ظل محدودية الموارد، إذ إن تقليص الفاقد يمثل، عملياً، وسيلة لزيادة المياه المتاحة دون الحاجة بالضرورة إلى تعبئة موارد جديدة.
كلفة اقتصادية تتجاوز القطاع الفلاحي
ولا تقتصر آثار ندرة المياه على الفلاحة فوفق تقديرات البنك الدولي، يمكن أن تؤدي ندرة المياه إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي لتونس بنسبة تصل إلى 6.4% بحلول سنة 2050 في حال عدم اتخاذ الإجراءات الكفيلة بالتكيف مع الأزمة.
ويمكن أن تمتد التأثيرات إلى قطاعات أخرى، من بينها الصناعات الغذائية والسياحة والصناعات التحويلية، فضلاً عن تأثيرها غير المباشر على الأسعار والأمن الغذائي والتشغيل.
ويأتي ذلك في سياق اقتصادي لا يزال فيه النمو محدوداً حيث سجل الاقتصاد التونسي نمواً بنسبة 2.7% خلال 2025، قبل أن يبلغ النمو 2.4% خلال النصف الأول من 2026، وفق المعطيات الواردة في المادة الاقتصادية المرتبطة بتقرير البنك الدولي.
كما بلغ معدل البطالة 14.9% خلال الثلاثي الثاني من 2026، مع استمرار الفوارق الكبيرة بين النساء والرجال.
وبالتالي، فإن أي تراجع مستقبلي في النشاط الفلاحي بفعل ندرة المياه يمكن أن يضيف ضغوطاً جديدة على التشغيل والنمو، خصوصاً في المناطق التي يعتمد اقتصادها بدرجة كبيرة على النشاط الزراعي.
الأمن المائي يدخل صلب السياسة الاقتصادية
بالنسبة إلى عبد الرحمان الوصلي، فإن الرسالة الأساسية التي يوجهها التقرير تتجاوز قطاع المياه نفسه.
واعتبر أن الأمن المائي أصبح مكوناً أساسياً من مكونات السياسة الاقتصادية والسياسة الفلاحية وسياسة التشغيل، وأن إيلاء القطاع المائي أولوية على أعلى مستوى يمكن أن ينعكس على مجموعة واسعة من المؤشرات الاقتصادية.
فاستقرار الإنتاج الفلاحي مرتبط بتوفر المياه، واستمرار النشاط الفلاحي مرتبط بدوره بالتشغيل في المناطق الريفية، بينما يرتبط الإنتاج الزراعي بالصناعات الغذائية والأسعار والأمن الغذائي.
ومن هذه الزاوية، لا ينظر إلى إصلاح قطاع المياه باعتباره مجرد استجابة لأزمة بيئية، وإنما باعتباره جزءاً من سياسة اقتصادية أوسع تهدف إلى تعزيز قدرة الاقتصاد على الصمود أمام تغير المناخ.
من إدارة الندرة إلى بناء القدرة على التكيف
وتكشف المعطيات التي يعرضها تقرير البنك الدولي والتصريحات التي قدمها الخبير عبد الرحمان الصولي أن تونس دخلت مرحلة جديدة في إدارة مواردها المائية.
فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط ببناء سدود جديدة أو البحث عن مصادر إضافية للمياه، وإنما أصبحت مرتبطة بكيفية إدارة كل متر مكعب متاح، والحد من استنزاف المياه الجوفية، وتقليص الفاقد، وإعادة استخدام المياه المعالجة، وتحسين كفاءة الري، وتطوير البنية التحتية والحوكمة.
ويختصر الوصلي جوهر التحدي في ضرورة جعل الأمن المائي أولوية وطنية، باعتباره عاملاً مؤثراً في صمود الفلاحة وفي تنافسية الاقتصاد والمحافظة على مواطن الشغل.
وبذلك، تضع أزمة المياه تونس أمام معادلة اقتصادية جديدة: المياه لم تعد مجرد مورد لتمويل النشاط الاقتصادي، بل أصبحت أحد الشروط الأساسية لاستمراره.
بشرى السلامي
mosaiquefm.net