RÉPUBLIQUE TUNISIENNE | MINISTERE DE L'AGRICULTURE, DES RESSOURCES HYDRAULIQUE ET DE LA PECHE
قد يبدو الحديث عن زراعة الحبوب في الصحراء بالنسبة للبعض فكرة غير مألوفة، لكن التجارب العلمية والميدانية المنجزة خلال السنوات الأخيرة أثبتت عكس ذلك تماماً. فقد سجلت الحقول التجريبية التي تم تركيزها بمعتمديتي الذهيبة ورمادة مردودية فاقت في بعض الحالات المعدلات المسجلة بالمناطق التقليدية لإنتاج الحبوب
في عالم تتسارع فيه الأزمات وتتغير فيه موازين القوة، لم يعد الأمن الغذائي مجرد ملف اقتصادي أو قطاعي، بل أصبح أحد أهم مقومات السيادة الوطنية والاستقرار السياسي والاجتماعي للدول. فالدول التي لا تنتج غذاءها الأساسي تبقى رهينة للتقلبات الدولية، مهما بلغت قدراتها الاقتصادية أو التكنولوجية. ولعل ما شهده العالم خلال السنوات الأخيرة من اضطرابات في سلاسل التوريد وارتفاع جنوني لأسعار المواد الأساسية، خاصة الحبوب، قد أكد أن المعركة الحقيقية للمستقبل ستكون معركة الغذاء والماء والطاقة.
وتونس ليست بمنأى عن هذه التحولات. فبلادنا تستورد سنوياً جزءاً هاماً من حاجياتها من الحبوب، في حين تظل منظومة الإنتاج الوطنية مرتبطة بشكل كبير بالتقلبات المناخية، خاصة في ظل تواتر سنوات الجفاف وتراجع الموارد المائية السطحية. هذه المعادلة تفرض اليوم التفكير خارج الأطر التقليدية والبحث عن حلول استراتيجية جديدة قادرة على ضمان استدامة الإنتاج الوطني وتحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي.
في هذا السياق يبرز الجنوب التونسي، وتحديداً ولاية تطاوين، كإحدى أهم الفرص الوطنية الواعدة لإعادة رسم خريطة الإنتاج الفلاحي في تونس. فهذه الجهة التي ارتبطت في الذاكرة الجماعية بالمجال الصحراوي القاحل، تخفي في باطنها موارد مائية جوفية هامة، كما تمتلك مساحات شاسعة قابلة للاستصلاح الزراعي يمكن أن تتحول إلى أحد أكبر الأقطاب الإنتاجية للحبوب والزراعات الاستراتيجية بالبلاد.
قد يبدو الحديث عن زراعة الحبوب في الصحراء بالنسبة للبعض فكرة غير مألوفة، لكن التجارب العلمية والميدانية المنجزة خلال السنوات الأخيرة أثبتت عكس ذلك تماماً. فقد سجلت الحقول التجريبية التي تم تركيزها بمعتمديتي الذهيبة ورمادة مردودية فاقت في بعض الحالات المعدلات المسجلة بالمناطق التقليدية لإنتاج الحبوب. كما أكدت النتائج الأولية للموسم الحالي إمكانية بلوغ إنتاجية تناهز 70 قنطاراً للهكتار مع استهلاك مائي محدود نسبياً لا يتجاوز 400 مم طيلة الموسم.
هذه الأرقام ليست مجرد نتائج تقنية تخص الباحثين أو المختصين، بل هي مؤشرات استراتيجية ذات دلالات عميقة. فهي تعني أن تونس تمتلك بالفعل فرصة حقيقية لخلق فضاءات إنتاج جديدة خارج المناطق التقليدية التي أصبحت أكثر عرضة لتقلبات المناخ. كما تعني أن الاستثمار في الجنوب يمكن أن يتحول من خيار تنموي إلى ضرورة وطنية مرتبطة مباشرة بالأمن القومي الغذائي.
إن الحديث عن تطاوين اليوم لا يتعلق فقط بإنتاج الحبوب، بل ببناء نموذج جديد للتنمية يقوم على تثمين الموارد الطبيعية المحلية وتوظيف التكنولوجيا الحديثة في خدمة الأمن الغذائي. فالمشروع المقترح لا يقتصر على التوسع في المساحات المزروعة، بل يشمل أيضاً تطوير إنتاج البذور والأعلاف والزراعات الاستراتيجية الأخرى، وإحداث بنية تحتية متكاملة للتخزين والتحويل والنقل، بما يخلق ديناميكية اقتصادية جديدة بالجهة ويوفر مواطن شغل وفرص استثمار مستدامة.
كما أن لهذا المشروع بعداً وطنياً يتجاوز الحسابات الاقتصادية المباشرة. فتنمية المناطق الحدودية وتعزيز الاستقرار الاجتماعي بها يمثلان جزءاً من منظومة الأمن القومي الشامل. وكل هكتار يتم استصلاحه، وكل مشروع فلاحي يتم إنجازه، وكل موطن شغل يتم توفيره، يساهم في تعزيز صمود هذه المناطق واندماجها في الدورة الاقتصادية الوطنية.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن الدول التي نجحت في تحقيق قفزات نوعية في مجال الأمن الغذائي لم تكن بالضرورة الأكثر وفرة في الموارد الطبيعية، بل كانت الأكثر قدرة على تحويل التحديات إلى فرص. والمملكة العربية السعودية ومصر والجزائر أمثلة واضحة على نجاح الزراعة بالمناطق الصحراوية عندما تتوفر الرؤية والإرادة السياسية والاستثمار المناسب.
واليوم، تمتلك تونس كل المقومات اللازمة لخوض هذا المسار بثقة. فالمعطيات العلمية أصبحت متوفرة، والنتائج الميدانية أثبتت الجدوى، والإمكانات الطبيعية موجودة، وما ينقص هو الانتقال من مرحلة التجارب المحدودة إلى مرحلة المشاريع الوطنية الكبرى.
إن الرهان الحقيقي ليس فقط إنتاج المزيد من الحبوب، بل بناء منظومة وطنية أكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات المستقبلية. فالأمن الغذائي لم يعد ملفاً فلاحياً فحسب، بل أصبح جزءاً من السيادة الوطنية ومن مقومات استقلال القرار الوطني.
ومن هذا المنطلق، فإن مشروع التوسع في مساحات الحبوب المروية بولاية تطاوين يمثل أكثر من مجرد مشروع فلاحي؛ إنه مشروع دولة، ومشروع أجيال، وخيار استراتيجي يعكس رؤية تونس لمستقبلها الغذائي. وعندما تتحول الصحراء إلى فضاء للإنتاج والتنمية، فإنها لا تزرع الحبوب فقط، بل تزرع أيضاً أسس السيادة والاستقرار والازدهار.
المدير العام للمعهد الوطني للزراعات الكبرى
agrovisium.com